«التجربة الليبية» تقنع كوريا الشمالية بعدم الثقة بأميركا
«التجربة الليبية» تقنع كوريا الشمالية بعدم الثقة بأميركا

لاتزال الولايات المتحدة وحلفاؤها يهددون كوريا الشمالية، ويحاولون إقناعها بالتفاوض على اتفاق، تتخلى بموجبه عن برامجها النووية والصاروخية. وكانت آخرة المحاولات تلك التي أطلقها الرئيس الأميركي ترامب، اثنـاء مؤتمره الصحافي المشترك الذي جمعه مع رئيس كوريا الجنوبية مون غاي. وحث ترامب بيونغ يانغ على «الجلوس إلى طاولة المفاوضات»، مؤكداً أن «من المنطقي بالنسبة لكوريا الشمالية، أن تفعل الشيء الصحيح». و«الشيء الصحيح» الذي تمسك به ترامب، ومن قبله من رؤساء أميركيين، دائماً هو أن تصبح كوريا الشمالية غير نووية.

ومن غير المرجح أن تعود جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية على الإطلاق إلى ما قبل العصر النووي. ولدى بيونغ يانغ أسباب متعددة للاحتفاظ بقدراتها النووية؛ فبالنسبة لبلد يوجد به نظام سياسي غريب، وليس له تطلع خارجي، ويمتلك قوة عسكرية تقليدية متقادمة على نحو متزايد، فإن قدرة الأسلحة النووية هي العامل الوحيد الذي يوفر احتراماً وسمعة، بالإضافة إلى صوت عالٍ على طاولة المفاوضات الدولية. إلا أن هناك سبباً حاسماً آخر لعدوانية كوريا الشمالية، هو أن قادتها ببساطة لا يثقون بالولايات المتحدة في احترام أي اتفاق قد يتم التوصل إليه.

ولسوء الحظ، هناك أسباب كثيرة لعدم الثقة، وقد شهد قادة كوريا الشمالية كيف تعاملت الولايات المتحدة مع بلدان غير نووية مثل صربيا والعراق. لكن التدخل الذي قادته أميركا في ليبيا عام 2011، والذي أكد للقيادة في بيونغ يانغ ضرورة الحصول والإبقاء على قدرة الأسلحة النووية، على اعتبار أنها ستكون الوسيلة الوحيدة الموثوقة، لمنع نشوب حرب هدفها تبديـل النظام الكوري.

وكان الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي قد استسلم جزئياً في ما يتعلق بهذه المسائل، رداً على حرب واشنطن التي أطاحت نظام صدام حسين في ربيع عام 2003، ظاهرياً بسبب التهديد الذي تشكله أسلحة الدمار الشامل في بغداد. ووقع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في ديسمبر من ذلك العام، ووافق على التخلي عن البرنامج النووي لبلاده. وفي المقابل، رفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها العقوبات الاقتصادية المفروضة على طرابلس، وتعهدت بأنها لم تعد تسعى إلى عزل ليبيا. وتم الترحيب بالقذافي مرة أخرى في المجتمع الدولي، عندما تخلى عن طموحاته النووية.

مصالحة قصيرة العمر

- من غير المرجح أن تعود كوريا الشمالية - على الإطلاق - إلى ما قبل العصر النووي. فلدى بيونغ يانغ أسباب عدة للاحتفاظ بقدراتها النووية، فهي العامل الوحيد الذي يوفر احتراماً وسمعة، بالإضافة إلى صوت عالٍ على طاولة المفاوضات الدولية.

- إن أساس الدبلوماسية الناجحة هو سمعة البلد في ما يخص الصدقية والموثوقية. ويخشى القادة الأميركيون أن الأنظمة الاستبدادية، مثل تلك الموجودة في إيران وكوريا الشمالية، قد تنتهك الاتفاقات التي توقعها.

واستمرت هذه المصالحة أقل من عقد من الزمان، عندما اندلعت ثورة داخلية ضد حكم القذافي عام 2011، وحينها صَـرحت واشنطن وشركاؤها في الحلف الأطلسي (ناتو) إن كارثة إنسانية باتت وشيكة، على الرغم من الأدلة الضئيلة على هذا السيناريو، وشرع الغرب في تدخل عسكري. وسرعان ما أصبح واضحاً أن المبرر الرسمي لحماية المدنيين الأبرياء كان ذريعة مثيرة للسخرية، وأن هناك حرباً أخرى جارية، لكن من أجل تبديـل النظام في طرابلس. وقد هاجمـت القوى الغربية غارات جوية مدمرة وهجمات صاروخية على القوات الحكومية الليبية؛ كما قام حلف شمال الأطلسي بتسليح وحدات المتمردين ومساعدة التمرد بطرق أخرى.

وعلى الرغم من أن جميع الثورات السابقة قد أخفقت، فإن مشاركة عسكرية غربية واسعة، أسفرت عن نتيجة مختلفة جداً هذه المرة، فلم يقم المتمردون بالإطاحة بالقذافي فحسب، بل ألقوا القبض عليه، وعذبوه، وأعدموه بطريقة مثيرة للدهشة. وكان رد واشنطن مفاجئاً، فقد علقت وزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري كلينتون، قائلة: «جئنا، شاهدنا، لقد مات».

إن سلوك واشنطن وحلفائها في ليبيا بالتأكيد لم يعطِ أي حافز لكوريا الشمالية، أو القوى النووية الأخرى للتخلي عن هذه الطموحات، مقابل الوعود الورقية الأميركية بعلاقات طبيعية. وفي الواقع، أشارت كوريا الشمالية على الفور إلى تجربة ليبيا، باعتبارها سبباً في أنها تحتاج إلى قدرة رادعة، وهي النقطة التي أكدت بيونغ يانغ عليها مرات عدة، في السنوات التي انقضت منذ انسحاب معمر القذافي. وما من شك في أن خيانة الغرب للقذافي قد جعلت اتفاقاً مع كوريا الشمالية على نزع الأسلحة النووية، أقل قابلية للتحقيق مما كان يمكن أن يحدث بخلاف ذلك. وحتى بعض المسؤولين الأميركيين يعترفون بأن ما جرى في ليبيا أقنع قادة بيونغ يانغ بأن الأسلحة النووية ضرورية لبقاء النظام.

أساس الدبلوماسية الناجحة

إن أساس الدبلوماسية الناجحة هو سمعة البلد في ما يخص الصدقية والموثوقية. ويخشى القادة الأميركيون أن الأنظمة الاستبدادية، مثل تلك الموجودة في إيران وكوريا الشمالية، قد تنتهك الاتفاقات التي توقعها. هناك أسباب مشروعة للقلق، على الرغم من أنه في حالة إيران، يبدو أن الحكومة تمتثل لالتزاماتها، بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة التي وقعتها طهران مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى عام 2015، مع إشارة مسؤولين في الولايات المتحدة إلى حدوث انتهاكات.

وعندما يتعلق الأمر بالمشكلات المتعلقة بالصدقية، يحتاج القادة الأميركيون أيضاً إلى النظر في المرآة. وكان سلوك واشنطن في ليبيا حالة من الازدواجية القاسية. وليس من المستغرب أن تنظر كوريا الشمالية (أو غيرها من البلدان) الآن إلى الولايات المتحدة كشريك تفاوضي غير جدير بالثقة. ونظراً لأسباب أخرى تدعو بيونغ يانغ إلى إيجاد القدرة النووية، وكان اتفاق نزع السلاح النووي دائماً صعب التحقيق، غير أن الإجراءات الأميركية في ليبيا قللت من التوقعات لتصل إلى نقطة التلاشي؛ والقادة الأميركيون لا يملكون إلا لوم أنفسهم على هذا الوضع.

تيد غالن كاربنتر:  كبير الباحثين في معهد «كاتو»، متخصص في قضايا الدفاع والسياسة الخارجية. ألّف العديد من الكتب في هذا المجال.

المصدر : الإمارات اليوم