450 سـيناوياً شـاركوا في مواجـهات ضد إسرائيل ضمن المقاومة الشـعبـية
450 سـيناوياً شـاركوا في مواجـهات ضد إسرائيل ضمن المقاومة الشـعبـية

كشف مؤرخ المقاومة الشعبية في مصر، وصاحب الكتب الأهم عن تاريخ النضالات الفدائية، اثنـاء الفترة من الأربعينات وحتى السبعينات، محمد الشافعي، أن «تفاصيل الدور الذي لعبه فدائيو سيناء في المواجهات مع دولة الاحتلال الصهيوني لم يتم كشف النقاب عنه بالكامل بعد، وأن 90% من كوادر منظمة (سيناء العربية)، كانوا من أبناء قبائل شبه الجزيرة، علاوة على دعمهم بالتوازي لعمليات (المجموعة 39)، وهما المنظمتان اللتان تحملتا عبء المقاومة الرئيس أثناء حرب الاستنزاف»، وشدد الشافعي على أنه «ما من عملية عسكرية مصرية ناجحة تمت في تلك الفترة، إلا وتضمنت (دليلاً سيناوياً)»، داعياً إلى «الانتباه لتلك الحقائق لمواجهة الدعاية المغرضة والمؤذية ضد أبناء سيناء، ومحاولات التشكيك في تاريخهم، في وقت تتعرض فيه شبه الجزيرة المصرية لغول الإرهاب، ومحاولة قوى خارجية إقليمية مشبوهة لتخريبها من الداخل».

الشافعي في سطور

الكاتب الصحافي محمد الشافعي، المعروف باسم «مؤرخ المقاومة الشعبية»، متخصص في الكتابة عن البطولات الشعبية في مواجهة المحتل، منذ الأربعينات وحتى اليوم، وله كتب عدة في هذا المجال أبرزها: «السويس مدينة الأبطال»، و«بورسعيد بوابة التاريخ»، و«الإسماعيلية أرض الفرسان»، و«شموس في سماء الوطن»، و«ألغام المدافع»، و«محمود طه – غزال المقاومة»، كما أنه أجرى عشرات المقابلات الصحافية مع رموز المقاومة الشعبية في الفترة 1967-1973، ومن أبرزهم كابتن غزالي الذي رحل أخيراً.

عملية إيلات

حول الدور السيناوي في عملية «إيلات»، التي قامت بها مصر لإغراق السفينتين الإسرائيلتين، صـّرح المؤرخ محمد الشافعي إن «القوة المصرية دخلت ميناء إيلات الإسرائيلي خمس مرات، حتى تم تدمير السفينة إيلات والميناء والرصيف الحربي للميناء، وقتل 47 جندياً وضابطاً إسرائيلياً، وجرح 91»، بناء على أوامر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر شخصياً، وكان إدخال المعدات وتضليل المخابرات الإسرائيلية عملية معقدة جداً، حيث تم إرسال بعضها إلى مطار الحبانية بالعراق، ثم تحركت إلى الأردن، وأرسل بعضها ليدخل من سيناء، وبالنسبة للجزء الأخير كان الشيخ السيناوي سليم مضاعن، وشبكة من أبناء سيناء، مسؤولين عن التحرك وتوصيل هذه المعدات، وسط ظروف بالغة التعقيد».


المقاومة الشعبية في منطقتي القناة وسيناء، بدأت بشكل عفوي كرد فعل على هزيمة 1967

وصـَرح محمد الشافعي، في حوار مع «الإمارات اليوم»، من القاهرة، إن «المقاومة الشعبية في منطقتي القناة وسيناء، بدأت بشكل عفوي كرد فعل على هزيمة 1967، حينما توجه المواطن المصري، الذي كان يعمل سائق نقل من السويس إلى القاهرة، عبدالمنعم خالد، ذات صباح إلى مكتب منظمة حركة التحرير الفلسطينية (فتح) في القاهرة، وطلب مقابلة المسؤول عن المكتب، ليخبره بأنه يريد أن يتطوع ليحارب دولة الاحتلال الصهيوني في أيِّ شبر من فلسطين، فرحب به المسؤول وشكره، لكنه أبلغ المخابرات المصرية بحسب ما تقتضيه الأعراف السياسية والدبلوماسية بين فتح والدولة المصرية، وبعدها استدعته المخابرات المصرية بالسويس، والتي كان يترأس مكتبها العقيد فتحي عباس، وحينما تأكد من حماسه وصدقيته سأله: كم شاباً مثلك في السويس يملكون الرغبة ذاتها؟ فأجابه دون تردد: «كل شباب السويس من جيلي» فكلفه بأن يبلغ كل من يتوسم فيه الرغبة والجدية أن ينتظم معه في شكل حلقة، تحولت إلى أول نواة كفاح شعبي مسلح في القناة ضد دولة الاحتلال الصهيوني».

وأضـاف الشافعي: «في تلك اللحظة، انضمت أسماء أصبحت نجوماً وأبطالاً وطنيين في سجل التاريخ، اليوم من بينهم غريب محمد غريب، ومصطفى أبوهاشم ومحمد عواد، فولدت منظمة (سيناء العربية)، وكانت الصدفة أن الرعيل الأول من المنظمة كانوا من الرياضيين من أصحاب البطولات المحلية والعالمية في كرة القدم، والجمباز، وكمال الأجسام، وليسوا من أصحاب الفكر السياسي كما يحدث غالباً في الحالات المشابهة، وكأن العدوان الإسرائيلي استفز روح الاعتزاز والوطنية عند هؤلاء، فلم يتحملوا أن تقتصر حياتهم على الرياضة، وتوازى ذلك مع ولادة منظمة نضالية شقيقة أخرى، أسسها ضابط الصاعقة اللواء أحمد رجائي عطية، وهي (المجموعة 39) قتال، والتي قادها لفترة طويلة الشهيد الذي دوخ الإسرائيليين، إبراهيم الرفاعي، وظلت العلاقة بين المنظمتين منفصلة، ومتصلة، جوهرها الاستقلالية ضمـن لوجستي تساندي، وكان سلاح الصاعقة يقوم بالتدريب العسكري والبدني لشباب المنظمتين، بينما تقوم المخابرات العامة بالتدريب اللوجستي والمعلوماتي، وقد بلغ عدد مقاتلي (سيناء العربية)، حينما كرمهم السادات عام 1974، أكثر من 500 فرد، 90% منهم من أهالي وقبائل سيناء، أي 450 فرداً تقريباً».

وأشار الشافعي إلى أن «سيناء العربية» قامت بعمليات استطلاع عدة وزرع ألغام، لكن تظل العملية الأهم لها هي ما أطلق عليه عملية «الهجوم في وضح النار»، التي تمت في 5 نوفمبر 1969، وهي عملية تكمن خطورتها في أنها «بروفة» حرب أكتوبر 1973 بحذافيرها، أي يمكن القول إن أهالي سيناء أهدوا «مصغر» حرب أكتوبر إلى الشعب المصري.

واستطرد الشافعي إن عملية «الهجوم في وضح النهار» قام بها 12 مقاتلاً، في مقدمتهم المقاوم مصطفى أبوهاشم، ومن بينهم محمود عواد، ومحمود طه وفتحي عوض الله، وعبدالمنعم خالد وغريب محمد غريب وميمي سرحان (ميمي اسمه الكروي)، وإبراهيم سليمان وفايز حافظ وأشرف عبدالدايم، وعبدالمنعم قناوي، وقد عبروا فضائية السويس، وانتقلوا إلى الضفة الشرقية، وقطعوا الأسلاك، ودمروا دبابتين إسرائيليتين، وقتلوا جميع أفراد دورية إسرائيلية عدا فردين، أحدهما تركوه ليروي رعب ما حدث لقيادته، والثاني أخذوه أسيراً ليعودوا به إلى قيادتهم».

وأردف أن دولة الاحتلال الصهيوني قامت بسبب توجعها الشديد من عملية «الهجوم في وضح النهار» بعملية انتقامية، تجاوزت فيها كل الأعراف العسكرية، إذ قصفت استاد السويس بـ«النبالم»، وهذا موثق بالأدلة، حيث كان يتدرب الشباب الفدائي، وحيث كانت تستهدف قتلهم جميعاً، ما نتج عنه استشهاد القائد المقاوم مصطفى أبوهاشم واحتراق جثته بنسبة 100%، ولم يجد رفاقه ما يمكن ان ينقلوا عليه ما تبقى من رفاته، سوى عربة كارو (يجرها حصان)، واستشهاد بطل الملاكمة سعيد الشيخلي.

وقد أحدث اغتيال أبوهاشم فورة غضب واسعة في الشارع، وفي صفوف المقاومة، وشاهد الناس صديقه وقائد المقاومة الشعبية المعروف في السويس كابتن غزالي، وهو ينتحب خلف نعشه، ويقول في هيستيريا وحب: «كده تموت لوحدك يابن الكلب»، وهي عبارة تعكس الحب الشديد بين غزالي وأبوهاشم في صيغة تبدو كما لو كانت هجاء، كما كتب وغنى كابتن غزالي بعدها أغنية شهيرة حفظها «السوايسة» (أهل السويس) بعد ذلك، ورددوها كثيراً تقول كلماتها «ايه ياموت جرى ايه – انت عميت ولا ايه – مصطفى ده بدري عليه».

وحول دور المقاومة الشعبية في حرب أكتوبر، وبعدها في مواجهة الثغرة الإسرائيلية في الدفرسوار، صـّرح الشافعي إن منظمة «سيناء العربية» قامت بعملية استطلاع قبيل حرب أكتوبر بأيام، حيث عبر المقاوم عبدالمنعم قناوي (الذي كان يعمل «مصوراتي») برفقة دليل سيناوي من المنظمة، ليتابع من قلب سيناء تحركات العدو الإسرائيلي ويرسل المعلومات إلى قيادته، وفوجئ بالحرب وهو في مخبئه الذي كان ينزل منه كل خمسة أيام، حيث كان زملاؤه السيناوية يحضرون له الطعام والشراب، وتم استدعاؤه يوم 20 أكتوبر، بعد استطـاع العدو الإسرائيلي من عمل ثغرة الدفرسوار، وعبوره إلى الضفة الغربية لقناة السويس، لترسله القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية مجدداً إلى «جبل عتاقة» هذه المرة للمعاونة في مواجهة الحصار، ليظل هناك 101 يوم، يعود بعدها وقد تغيرت ملامحه من كثرة الأهوال التي عاشها، ولم يتعرف إليه إقرب الناس إليه».

وصـَرح الشافعي إن «المقاومة الشعبية سطرت صفحات مجيدة في السويس، حيث دمرت 36 دبابة، وقتلت 86 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً، وأفشلت مشروع الثغرة، أو على الأقل برهنت للجيش الإسرائيلي أنه سيكون مشروعاً بالغ الكلفة عليهم، خصوصاً بشرياً».

وشدد على أن «الحضور السيناوي كان ماثلاً طول الوقت في مشروع المقاومة الشعبية 1967-1973، ومن اللحظة الأولى، حيث آوى أهالي سيناء الجنود المصريين الذين صدر أمر انسحابهم دون غطاء جوي أو نيراني يحميهم، فقدموا لهم الطعام والشراب، واستخرجوا لهم مئات البطاقات الشخصية، بوصفهم من أبناء سيناء، حتي يوفروا لهم حماية من كمائن وحملات الجيش الإسرائيلي التفتيشية، ومن أهـم المواقف التي وفر فيها أبناء سيناء حماية لجيش وطنهم، هي احتضانهم لكتيبة النقيب مجدي شحاتة، بعد أن قتل العدو الإسرائيلي معظم أفرادها، فلم يتبق منهم سوى خمسة هم شحاتة (القائد) وعبدالحميد خليفة، وثلاثة جنود، فقام الشيخ السيناوي علي عليان بركات وأشقاؤه وزوجته فاطمة صبحي نصيري، وأم حميدة، بإيواء الكتيبة لمدة 200 يوم، حتى تمت عودتهم في أبريل 1974». واستكمل الشافعي حديثه بالقول إن «الدور السيناوي أيضاً تجسد في عملية اغتيال قائد المدرعات الإسرائيلية مدلر في رأس سدر، والتي قادها الملازم سامي فضل، فقام ابن عائلة الترابين عيد عواد سليمان بحمايته وإيوائه، بعد أن قامت الطائرات المصرية بإنزال سليمان ورفاقه، وقد ساعد سليمان 10 أفراد من قبيلة الحويطات، ووفروا للفدائيين كل أنواع الدعم اللوجستي، علاوة على الطعام والشراب».

وختم الشافعي أن «تكريم أبناء سيناء قد تم بدرجة كبيرة بعد تشكيل (جمعية مجاهدي سيناء)، لكن ما يستحقه هؤلاء كثير جداً، ولو ظللنا نمنحهم كل يوم ما وفينا ما قدموه، وقد تسبب إهمال حكومات مصرية سابقة، وتجاهل تنمية سيناء، إلى أن تنجح قوى معادية وأخرى إقليمية في أن تستهدفها لتدمرها بكل وسيلة، آملة أن تجعلها مرتعاً لتجارة المخدرات، وتجارة الأعضاء البشرية، وتجارة البشر، وتجارة السلاح، وساحة للحركات الغير معتدلة لتتحول من (أرض للبطولة) إلى (أرض للإجرام)، ولا يوجد مخرج من هذا سوى تبني مهمـة تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة وواعية، وتبني سياسات مصارحة جريئة تدرك بعمق أهميتها كجزء حيوي من النسيج الوطني المصري».

المصدر : الإمارات اليوم