إيميلي ديكنسون في "رغبة صامتة" .. عزلة الذات وأنسنة السينما
إيميلي ديكنسون في "رغبة صامتة" .. عزلة الذات وأنسنة السينما

"السينما مثل الموسيقى، عليها أن تكون نابعة من الذات"..المخرج تيرونس دايفيز.

يعود "رغبة صامتة" ليوضح مرة أخرى عمق ودقة وعبقرية فيلم كلاسيكي من توقيع المخضرم تيرونس دايفيز.. قدرة مخرج على تحويل نص إلى انعكاس غامض ومربك يرغب من خلاله في تسليط الضوء على موهبة إيميلي ديكنسون الشعرية والحياتية. فيلم "رغبة صامتة" (126 دقيقة/ سيرة ذاتية/ التأليف والإخراج تيرونس دايفيز/ 2016 / البلد انجلترا).

يخترع المخرج بشكل أدبي بيوغرافية الشاعرة إيميلي ديكنسون من اثنـاء إقامة عالم خاص بها.. داخل جدران بيـت العائلة في أميرست (ماساتشوستس)، وهي مفاتيحه لهذا العمل الإبداعي دون حدود، مع حشر الكثير من التفاصيل بدقة متناهية بنوع من الحيطة والحذر في كل كلمة؛ لا يتعلق الأمر بحكي حياتها وقصتها، ولكن بإعطاء معنى بشرحها انطلاقا من ذات الشاعرة بحمى أكثر حميمية عن كل منـزل من أبياتها الشعرية داخل أروقة العزلة التي اختارتها نمطا لعيشها.

ومن المعروف أن ديكنسون عاشت غريبة منعزلة عن تقلبات الموضة، وأنها أيضا نشرت بالكاد اثنـاء حياتها "اثنتي عشرة قصيدة من مجموع 1800 قصيدة"، وتمشي مع رغبتها الصامتة جنبا إلى جنب، وتصب أسطورتها إلى جميع ضحايا الصمت أو سوء الفهم أو الازدراء.

سفر الكاميرا:

من علياء هذه الموهبة وهذا الحجر، إذا جاز التعبير، أسس المخرج واحدا من أعماله الأشد كثافة والأكثر وعيا.

الكاميرا بالكاد تتحرك، دائما على بينة من العمق، والدقة والكثافة في مشاهد على الحدود المضبوطة بين الواقع الحلم.

بيوغرافية تتبع نسقا بسيطا وضيقا وقاسيا وغير متحيز: يعتبر هذا الفيلم أفضل الأفلام عن الشاعرة إيملي ديكنسون وشعرها، ومن أفضل الإنجازات الفيلمية للمخرج تيرونس ديفيز: في دقة الإطارات.. مشاهد سينمائية مشكلة بشكل أساسي عن طريق المزج وبراعة المعالجة بين الضوء والحوار والموسيقى.

سفر الشخصيات:

تقلل الشخصيات من حركاتها وتتمتع بتعبيراتها وكلماتها المنتقاة في هذا الجرح الدرامي الذي يبدو أبديا. سينثيا نيكسون، جنيفر أييل وكيث كارادين، ببساطة ممثلات وقعن بيد واحدة وبنظرة دامغة على بصمات السينما المعاصرة وروعة الأداء في هذا الفيلم التكريمي.

يميل الفيلم نحو بعد سام..عمل فني صارم في شكله، وفي توسعه وانتشاره، مع البساطة الشديدة.. تسمو الحياة اليومية لشخصيات الفيلم للوصول بها نحو شخصياتها الحقيقية وإبراز شخصية إيملي ديكنسون وعملها ونبالة شعرها. يصور المخرج شخصياته بصرامة كبيرة ويكشف ويقدم كل شيء ويظهر تقييما وجودة لا يمكن إنكارها. في انتقال الشخصيات من مرحلة الشباب نحو النضج تنتقل الكاميرا عن طريق أخذ صور فوتوغرافية للعائلة، وتنتقل داخل الصورة من الشباب نحو الشيخوخة.

وعلى الرغم من الجهود الجبارة لكل من نيكسون وديفيز لاستخراج الشياطين الداخلية للشاعرة، ظل الفيلم في حالة ثبات وعدم إبراز حرقتها للشعر.

بيوغرافية العزلة:

إيملي ديكنسون من مواليد 1830/ 1886 بمنزل العائلة في أميرست، بولاية "ماساتشوستس"، بعد خروجها من المدرسة تنكب في المنزل على كتابة الشعر..يتخطى الفيلم مرحلة الطفولة ليبرز بيوغرافية الشاعرة ما بين مرحلة الشباب والشيخوخة التي عانت فيها الشاعرة المرض والعزلة والخصومات العائلية.. يبرز الفيلم في الجزء الثاني مرحلة النضج والشيخوخة ومعاناتها الكبيرة وانحباسها داخل المنزل كل الوقت وفي غرفتها وهوسها بكتابة كراسات صغيرة من الشعر، وخصامها مع صديقتها كايد وعشيقة أخيها.. يبرز الفيلم حالة العزلة القاتلة بالرغم من حالات التآخي التي تمنحها أختها لها.

عزلة المكان:

يبرز الفيلم ضيق الفضاء الذي تتحرك فيه الشاعرة، فلا يعدو أن يكون غرفتها أو الصالون السفلي أو حديقة المنزل..وتعود مسرعة لكتابة قصائدها. تمضي الشاعرة الساعات الطوال في منزلها أو في غرفتها أو في الحديقة، وقليلة هي أيام الفرح والرقص في حياتها. في شبابها هناك نوع من الصمت المتفق عليه بين أفراد العائلة..الكل يحمل كتابه أو ينصت لإيقاع الموسيقى ويذوب في عالمه الخاص. وهنا فضاء التسريد المكاني بأبعاد تخيلية..يضيق المكان بالشاعرة ويتسع في حضورها الشعري.. يشعر المشاهد بنوع من الصمت السائد والمتحكم وبرودة العلاقات الاجتماعية وتواصلها وبرودة المكان؛ ويزداد صقيع هذه البرودة في العلاقات بعد موت الأب والأم ليضفي على المكان كآبة قصوى. يضيق المنزل الفسيح وتضيق الحديقة بأشجارها وتلوذ إيملي بالصمت في غرفتها بلباس أبيض كأنها تنتظر موعدا مع القدر ومع قبر مفتوح في نهاية الفيلم.

المخرج: أفلمة المفاهيم والذات

تتناسل الأسئلة الكبيرة والفلسفية في فيلموغرافية المخرج تيرونس دايفيز (10 نوفمبر 1945 ليفربول انجلترا) الذي يبحث في مفاهيم الموت والحياة والشر والخير...بكونه ممثلا وكاتبا للسيناريو وروائيا ومخرجا... تمكـن أن يغوص في ماهيات هذه الأسئلة العميقة للبحث في معاني الأشياء. من اثنـاء عناوين أفلامه يلاحظ هوس المخرج بأفلمة المكان والزمن والمفاهيم والبحث في معاني الأشياء: الموت والتجلي والطفولة والشباب والشيخوخة من اثنـاء العناوين الفيلمية التالية:

"البحر الأزرق العميق" (2011).."من الزمن إلى المدينة" (2008).. " بيـت الفرح" (2000).. "انتهى اليوم الطويل" (1992).. "أصوات متميزة" (1988).. "ثلاثية تيرونس دافييز" (1984).. "الموت والتجلي" (1983).. "مادونا والطفل" (1980).. "الطفل" (1976). تمتاز سينما تيرونس دايفيز بالاقتراب من أوجاع عزلة الذات وأنسنة السينما لتصبح جزءا من ماهية الإنسان. في فيلم "رغبة صامتة" يقربنا المخرج من البعد الإنساني للشاعرة التي فضلت عالم الكتابة ومنحته كل الوقت والجهد بعدما أضربت عن مفاتن الزواج وغوايات الجسد.

اللقطة المماثلة والدائرية:

في فيلم "رغبة صامتة" يبدو المشهد السينمائي متثاقلا بطيء الخطوات..تكاد الكاميرا تتحرك في لعبة دائرية..مشهد يتكرر مرتين بنفس الإيضاح في الشباب والنضج، حيث الجلسة العائلية تبدأ من إيملي وهي تعزف على البيانو وتدور الكاميرا في دورة كاملة على الصالون وتقفي الوجوه لتصل إلى إيملي مرة ثانية وتركز عليها..في المشهد الثاني تبدأ صديقتها كايد في العزف على البيانو وتتحرك الكاميرا في شكل دائري في تفقي أعضاء الأسرة. وتقف الكاميرا عند الباب المغلق، وينفتح الباب لتظهر إيملي وهي تستمع للموسيقى، وينغلق وتبقى الكاميرا في مواجهة الباب المسدود..هذه اللقطات المماثلة يستعملها المخرج في العديد من المشاهد داخل المنزل وفي الحديقة.. وهي مشاهد متطابقة أو متماثلة يسعى من خلالها المخرج إلى تبيان حالة التباين بين مرحلتين؛ قبل موت الأب والأم وبعدها.. وهي لقطات بطيئة تستمر أحيانا أكثر من دقيقتين، يتخللها صمت محشو بحفيف الرياح وزقزقة العصافير..سينما البطء لتبيان حالات عزلة الذات والتأمل والموت والرغبة الصامتة والمتعطشة، والتي تكسر صمت أنينها كتابتها للشعر.

الشاعرة..المرض والحرب:

في شباب الشاعرة تظهر في أحد المشاهد وهي تشعر بنوع من الإعياء، وتعاني ألما حادا في ظهرها يجعلها تصيح في وجه الخادمات..فجأة تزداد وتيرة المرض ولكن إيملي تكابر في صمت وعناد وكأنها تتحدى القدر. في الفيلم يظهر نقاش العائلة الأرستقراطية حول الحرب الأهلية الأمريكية بين مؤيد ومعارض، ومعارضة الشاعرة الشديدة للحرب بكل أبعادها. ويظهر المخرج في عملية تواز صورا توثيقية لبشاعة الحرب من العبيد والجنود والأطفال والنساء..مع ما يرافقها من نقاشات عائلية سياسية تنسجم مع طبقيتها الأرستقراطية المحافظة.

تمفصلات الفيلم:

حكائيا يمكن تقسيم الفيلم إلى ثلاث مراحل حياتية في حياة الشاعرة حسب المخرج..اللحظة الأولى حينما يموت والدها، ويكون هذا الموت بمثابة الصاعقة، وهي المرأة الحساسة جدا.. رغم ما كانت تظهره من قوة وبأس واستقلالية في الرأي فإنها كانت تستجيب لمطالبه وتأتمر بأوامره، وهو رجل أرستقراطي ذو ملامح قاسية وأوامر صارمة محب للحق. بعد موت الأب بدأت تظهر حالات العزلة على إيملي وحالات من الاكتئاب.

اللحظة الثانية زواج صديقتها كايد، المتحررة نوعا ما، والتي كانت تحاورها وترافقها وأدخلت بصحبتها نوعا من البهجة والفرح إلى قلبها. بزواجها بدأت إيملي تشعر بنوع من العزلة القاتلة، وكأن خيطا رفيعا وروحا هائمة قد انقطعت أوصالها، وأضحت لا تفارق غرفتها مرتدية لباسا أبيض.

اللحظة الثالثة هي دهشتها من حالات الصرع والهستريا التي تنتاب والدتها ومرضها المستعصي الذي لم تستطع أن تتحمله وهي المرأة الرقيقة المشاعر.. خلف موت الأم فراغا عاطفيا كبيرا لها.. رغم مساندة الأخت إلا أن حالة الاكتئاب ازدادت كثيرا، خصوصا بعد أن وجدت صديقتها القديمة في علاقة جنسية مع أخيها في الغرفة المجاورة لها..

ثم خصامها مع أخيها وتشنج العلاقات بينهما، ثم تهكمه عليها بعد ذلك بإتيانه لمقال يسخر من تجربتها الشعرية وهو يقرأه بجهر وبنوع من التهكم والسخرية. تدخل إيملي حالات من الصرع والهستريا الحادة ونوبات من الصياح والبكاء دون أن تتحكم في جسدها أمام دهشة الطيبب وأفراد العائلة. هنا يبرز نوع من تعاطف المخرج مع الشاعرة، بحيث لا يحاول التمادي في تكرار مشاهد حالات الهستريا التي تنتابها.. لتظهر جثة هادئة بلا حراك.

على المستوى السردي هناك تباين في تبيان ردود فعل الشاعرة وتصرفها، إذ تظهر بعد موت الأب والأم أكثر غضبا يغلف حياتها وأكثر عزلة.

موت الذات وسفر الروح:

يعتقد المخرج أن الموت ليس سوى تعبير عن انتهاء مرحلة والانتقال إلى مرحلة أخرى.. في المشهد الأخير من الفيلم بعد موت الشاعرة وحملها على النعش.. يظهر قبر محفور فارغ.. يصاحب هذا المشهد صوت الشاعرة وهي تلقي أجمل قصائدها.. الكناية واضحة هنا أن الشاعرة لم تمت وأنها لازالت على قيد الحياة..الموت هنا فقط موت رمزي... لازالت روحا هائمة وصوتا عذبا طريا يتغنى بالحياة.. إنها سينما الحياة التي تنبني في جزء منها على الأسئلة الوجودية الكبرى وعلى تكريم المفكر والكاتب والشاعر والأدب بصفة عامة...

الفيلم هو تكريم لشاعرة أمريكية بتعبير وصوت إنجليزي يمنحها بعدا كونيا ويسافر بنا في عوالمها الإنسانية الرحبة ويدعونا إلى اكتشاف إيملي ديكنسون شاعرة وإنسانة في المقام الأول والأخير.

المصدر : جريدة هسبريس