رشاقة السيرك وسيدة الفن السابع .. علاقات "الأخوات الشقيقات"
رشاقة السيرك وسيدة الفن السابع .. علاقات "الأخوات الشقيقات"

"أيها السادة، أيتها السيدات، أسرعوا باقتناء تذاكركم، كما لو أنكم لم تروا عرضاً من قبل"، هذه هي العبارة الشهيرة الشائعة لتقديم عروض السيرك في المدن والأحياء العالمية.

السيرك في السينما والسينما في السيرك، واقع وأحلام، السينما والسيرك عالمان من الأحلام، ذاك هو التحدي الثابت من السينما نحو السيرك، بينما تبقى البرهنة والتجريب، الخيال العلمي والمؤثرات الخاصة في خدمة فن الوهم (أفلمة السيرك).

أدرك المخرجون فحوى هذا التحدي منذ بداية السينما، بخلق قصص قصيرة من الخيال تصور فن السيرك، ومنذ ذاك الحين أصبح فن السيرك والسينما أخوين شقيقين بالوراثة.

السيرك والسينما: بداية الأخوة

كانت اللقطات الأولى المصورة لفن السيرك سنة 1890 لفنان الميم إيميلي رينو، مأخوذة بكاميرا لويس لوميير. وفي سنة 1894، أنجز المكسيكي توماس ألبا إيديسون المشاهد الأولى لأحداث السيرك، وبهذا فتح الباب على مصراعيه لأن يصبح السيرك جنساً سينمائيا؛ حيث يتحول السيرك وشخصياته وأمكنته أبطالا أساسيين في العمل السينمائي.

ابتكرت السينما من اثنـاء السيرك عروضا احترافية تركيبة وأفعالا بهلوانية وأكروباتية. فالسيرك واحد من التقاليد الشعبية الأكثر تخيلاً وإبداعاً للفرجة، والأكثر ارتباطاً بالثقافة الشعبية وبالجماهير. وهكذا ظهر تأثير السيرك على الأنشطة الاجتماعية والثقافية كالسينما والأدب والتشكيل، وازدادت أهميته وثقله في الثقافة الشعبية والمخيال الشعبي، لذا كان لا بد أن تحتضنه السينما كأخٍ أصغر مدللٍ ومتعجرفٍ.

وانطلاقا من سنة 1920، منحت السينما الصامتة فرصة كبيرة لتقديم صور سمحت بالسرد والتعبير عن أحاسيس المشتغلين بالسيرك من اثنـاء فيلم "منوعات" (1925) للمخرج إيوالد أندري ديبو. وتتابعت بأفلام شارلي شابلن "السيرك" (1928) الذي حاز جائزة الأوسكار وفتح الطريق لهذه النوعية من الأفلام.

استخدم السيرك في السينما استخدامات مختلفة وتعددت موضوعاته، فقد اعتبر السيرك أداة للسخرية ونوعية جيدة للأفلام الكوميدية، تنهل من حركاته وأفعاله وشخوصه، وتعددت الثيمات والعلائق التي تربط السينما بالسيرك من اثنـاء حضور موضوع الصراع بين الخير والشر، نجد فيه: القتل واللصوصية والعائلة والإعاقة والسفر والحب والخطر والمخاطرة والمغامرة والطفولة والإثارة والحنين والرياضة والغرابة والسياسة والسحر... موضوعات عديدة أخذتها السينما على عاتقها وعالجتها من زوايا مختلفة وبطريقة إبداعية كبيرة.

السينما والسيرك: فيلموغرافية الحياة

على طول تاريخ السينما اعتنت السينما بالسيرك كطفل صغير مدلل وجبت رعايته لأنه يحتاج إلى عناية خاصة؛ حيث اعتبرت السخرية موضوعا أساسيا في أفلمة السيرك مثل "فريكس" (1932) لتود براوين، فيلم "المهرجون" (1970) لفيدريكو فلليني، "أجنحة الرغبة" (1987) للمخرج الألماني فيم فندورز.

في هذه الأفلام نكتشف طوباوية المجتمع المثالي، كما هي حالة فيلم "مسار الطفل المدلل" (1988) للمخرج كلود لولوش، أو البحث عن البراءة المفقودة كما في فيلم "الدم المقدس" (1989) للمخرج أليخاندرو جودو روواسكي، ثم المجابهة مع الواقع في فيلم "يُو يُو" (1964) للمخرج بيير إيتي، ثم فيلم "اليوم الذي بكى فيه المهرج" (1972) للمخرج جيري لويرز، ثم فيلم "محطة" (1974) للمخرج جاك تاتي، وفيلم "ليالي السيرك" (1953) للمخرج أنغمار برغمان (1918/2007)، وفيلم "الطريق/ لاسترادا" (1954)، ثم فيلم "لولا مانتيس" (1955).

في ضحكات الجمهور المتعالية والصاخبة تختفي سخرية البهلوان حينما يضحكون عليه، في الواقع يتعلق الأمر بالسخرية من المتلقي/المتفرج في لعبة معاكسة، كما أشار إلى ذلك هنري ميلر في "البسمة تحت سلم الدرج" أن البهلوان هو بالفعل شاعر بالحركة.

ولشدة الارتباط بين السينما والسيرك اتخذت العديد من الأفلام من السيرك عنواناً لها بعرباته المجرورة وسياراته وشاحناته، وخيامه وأحصنته المدربة وفيلته المتنقلة وبسمة أطفاله وبأضوائه الباهرة، وأقزامه ومفتولي العضلات، وبرياضييه والمؤدين فيه، وبعوالمه وعواطفه التي تؤججها الحبال والسرعة والرقص والمساحيق والدقة والتنظيم والموسيقى وشخصيات البهلوانيين والمهرجين.

بدءاً من فيلم شارلي شابلن "السيرك" (1928)، "السيرك" (1936) للمخرج الروسي غريغوري ألكسندروف، ثم فيلم "السيرك" من إخراج ميغيل ديغالدو/88 دقيقة/المكسيك/كوميدي يحكي عن صانع أحذية يحب حياة السيرك لإصلاح حذاء شابة تشتغل في سيرك متنقل، ينتهي به المطاف إلى العمل نادلاً في السيرك. ثم فيلم "سيرك الغرباء"، ثم فيلم "العالم العجيب للسيرك" (1964) للمخرج الأمريكي هنري هاتاواي، وفيلم "سيرك الجريمة" (1967) للمخرج جيم أوكونولي، وفيلم "السيرك" (2012)، وهو فيلم وثائقي عن تقاليد السيرك في بريطانيا والعائلات البريطانية المشهورة في عالم السيرك مثل عائلة باولو.

يحكي الفيلم عن عائلة تنخرط بكامل أفرادها في فن السيرك وتطرح سؤالاً على الجميع: هل تستمر العائلة في تحمل تبعات ومشقات هذا الفن أم تتخلى عن العمل والحلم في منتصف الطريق؟ ثم الفيلم المكسيكي القصير "سيرك الفراشة" (2009) الذي يطرح قيم الأمل والتسامح والفرح والتواضع. ثم فيلم "أعظم العروض على وجه الأرض" (1952)، ثم شخصية ساحر أزو في نسخه الثلاث "ساحر أوز" (1939/103 دقائق) إخراج فيكتور فليمنغ، ثم النسخة الثالثة "أوز: العظيم والقوي" (130 دقيقة/2013) للمخرج سام رايمي.

موضوع آخر يحضر بشكل بارز في علاقة السينما بالسيرك هو الحضور المكثف للحيوانات الأليفة والمتوحشة؛ القرد، الأفعى، الفيل، الحصان، النعامة… ففي فيلم "ماء الفيلة" (2011/120 دقيقة/أمريكي) تدور أحداث الفيلم في ثلاثينيات القرن العشرين حول قصة حب مستحيلة بين طالب بيطري اسمه جيكوب ونجمة سيرك تدعى مارلينا، متزوجة من أوغست، تحضر في هذا الفيلم بشكل كبير جداً. ثم الفيلم الأمريكي "اللهيب السحري" (1927) للمخرج هنري كينيغ، وفيلم الويسترن الشهير "بوفالو بيل" (1976) عن الحضور المتميز لترويض الأحصنة بشكل كبير جداً.

السيرك هو أيضا عالم من الفانتازيا والخيال؛ حيث يتغير مع كل وظيفة للقائمين عليه، ومع مجموع العروض المختلفة والمتنوعة التي لا يمكن التنبؤ بها تماماً بالنسبة لجميع الأعمار، وتأخذ فيها الحياة بتقلباتها وأفراحها ألواناً مختلفة داخل عوالم السيرك بفيلم "تشرق الشمس في كل الأيام" (1956) للمخرج أنطونيو دي أمو، "ظلال متوازية" (1994) للمخرج جيرار غورموسانو، ثم "المدنسون الثلاثة" (1925) للمخرج الأمريكي شارل ألبير براونين. يحكي هذا الفيلم عن ثلاث شخصيات من عالم السيرك، يجتمعون وتستحوذ عليهم فكرة سرقة مجوهرات عائلات ثرية بورجوازية مستعملين تقنيات وأساليب السيرك.

ثم فيلم "الساحر القاتل" (1954) للمخرج جون براهم، الفيلم الإسباني "في الأسفل أنتظر الموت" (1965)، ثم الفيلم الفرنسي/الإسباني "جولة حزينة" (2010)، والفيلم الإيطالي "عانقني بقوة يا بابا" (1977)، ثم الفيلم المشترك الأمريكي الألماني "بحماس" (1954)، ثم الفيلم الإيطالي الإسباني "منوعات عالية" (1960)، ثم فيلم "دورة الحياة" (1949)، للمخرج أوسبيو فرنانديز أردافين.

وفيلم "شيء شرير يختبئ في هذا الطريق" (1983)، ثم فيلم "حين تأخذ سلاحك" (1950/107 دقائق)، ثم فيلم "مكتب الدكتور غالياري"، ثم فيلم "نيمو الصغير: مغامرات في سلوم برلاند" (1992/95 دقيقة)، ثم فيلم "الأرجوحة" من بطولة برت لانكستر، ثم فيلم "رِيبُو الأوبرا العبقرية" (2008/79 دقيقة) من إخراج دارن لي بوسمان.

موضوع يكاد يستقل بنفسه عن علاقة السينما والسيرك معاً، هو موضوع شخصية المهرج، كما في فيلم "اسمي جوكر" (1972)، ثم الفيلم الإسباني "تعلم أن تكون بهلواناً" (1967)؛ حيث يبرز الفيلم كيف يصبح المرء بهلوانا ومبدعاً في هذا المجال. وفي فيلم "المهرج" (1970/92 دقيقة) للمخرج فيديريكو فلليني، يجسد المهرجون موت السيرك على قارعة الطريق من اثنـاء مجموعة من الدول، فرنسا، إنجلترا، إيطاليا. فيلم وثائقي له قيمة تاريخية كبيرة عن أسماء مشاهير المهرجين في عالم السيرك.

في هذا الصدد يعتبر المخرج فدريكو فلليني أن "المهرج يجسد خصائص المخلوق الخيالي الذي يعبر عن المظهر اللاعقلاني للإنسان، خاصة الجزء الغريزي، هذه اللهجة المتمردة والاحتجاجية ضد النظام الأعلى".

المهرجون في السينما هم الروح الصادقة للسيرك، ليس فقط ممثلون مهرة، بل أيضا يعرفون كيف يقتنصون الضحكة والدمعة معاً، كما يتقنون العزف على مجموعة من الآلات، وتصدح أصواتهم بأغنيات جميلة تلفت الانتباه.

فيلم "سيرك الشمس: عالمان متباعدان" (2012 /91 دقيقة) من تأليف وإخراج أندرو أدامسون، ومن إنتاج جيمس كاميرون، وهو من الأفلام الضخمة والعملاقة في سينما السيرك. يتحدث عن قصة حب لفتاة تأتي من قرية بسيطة، تفترق وتلتقي مع عشيقها السابق في خيام السيرك. في هذا الفيلم لقطات ومشاهد رائعة يؤديها رياضيون مهرة وممثلون محترفون بتقنيات فائقة الدقة. فيلم يعيد فيه المخرج جيمس كاميرون نفسيات أبطال الفيلم الشهير "تيتانيك".

تجدر الإشارة إلى أن السينما العربية ضمن هذه الفيلموغرافية الطويلة تبقى ضئيلة لا تتعدى عشرة أفلام نصفها مصري وفيلم مغربي… وأغلبها ينهل من قصص مكررة عن السينما العالمية.

إن دراسة هذه الفيلموغرافية الطويلة والعريضة دراسة للحياة في أوجاعها وأحزانها وأفراحها وعن مدى قدرة السينما في استيعاب عوالم السيرك وتحويلها بقدرتها الفائقة إلى عوالم للفرجة.

السينما والسيرك: أجنحة الرغبة والحلم

في فيلم "لاسترادا/الطريق" للماسترو فلليني، تموت الفرحة في أعماق البطلة الشابة، كما ينتهي المطاف بشارلي شابلن في فيلم "السيرك" وسط آثار دائرة خيمة السيرك بعد أن يغادر السيرك إلى مكان آخر وحيداً جالساً، ثم ينطلق بمشيته المعهودة نحو أفق جديد.

وفي المشهد الأخير في "ليالي السيرك" للمخرج أنغمار برغمان، وفي حلكة الظلام، يقرر مدير السيرك الاختيار بين حب زوجته وعشيقته وحبه للسيرك، فيغلب حب هذا الأخير ويشد الرحال صحبة العاملين قصد وجهة أخرى.

في فيلم "يُويُو" يقرر المليونير أن يتحول إلى بهلواني داخل السيرك في رحلة وسفر طويلين ويهجر قصره الفخم، ويتحول الطفل "يُويُو" من بهلواني ومهرج في عالم السيرك إلى ممثل كبير داخل الأوساط الفنية الفرنسية، ويهجر بدوره قصره الفخم الذي ورثه عن أبيه على ظهر الفيل.

في فيلم المكسيكي "فراشة السيرك" (22 دقيقة)، من الأفلام الجميلة، يتحول أبطال السيرك إلى شخصيات تمنح الأمل الكبير في الحياة حيث الشاب المعاق يتمكن من القفز من علو 50 مترا ويستطيع السباحة، وينال تصفيق المتفرجين ويخلق معجزة أن القدرة تكمن في أعماق الإنسان.

من اللقطات الجميلة والرائعة في فيلم "الطريق" لفلليني، نعلم أن البطلة تموت متشردة ولكنها لم تتخل عن عزفها على الساكسفون احتفاء بالحياة عبر تلك الطرقات البعيدة والموغلة في الحياة. تموت البطلة شريدة، لكن تظل تلك المعزوفة التي تعزفها بنشوة الحياة حاضرة في الأذهان وكذا رقصتها الطفولية وإيمانها الراسخ بجدوى الفن. قد نتفق وقد نختلف مع مقولة هـ . ل. مينكن إن "الديمقراطية هي الفن، وعِلم إنجازها هو السيرك انطلاقاً من قفص القرود".

المصدر : جريدة هسبريس